مقدمة: لماذا يفشل التدريب أحيانًا… رغم أن المحتوى ممتاز؟
خلّينا نبدأ بحقيقة غير مريحة، أحيانًا التدريب لا يفشل لأن المحتوى ضعيف… بل لأنه اصطدم بـ "المجتمع".
المجتمع هنا ليس بمعناه الكبير فقط… بل بمعناه الأصغر والأخطر:
- ثقافة الفريق
- هرم السلطة
- علاقات الزملاء
- لغة المؤسسة
- الخوف
- التوقعات
- ما يُكافَأ وما يُعاقَب
المحتوى قد يكون رائعًا… لكن "البيئة الاجتماعية" قد تقتل التعلم قبل أن يبدأ، وهنا يظهر دور النظرية الاجتماعية.
أولًا: ما المقصود بـ Social Theory؟
النظرية الاجتماعية ليست "نظرية تعلم" بالمعنى التقليدي، هي مجموعة أفكار ونماذج من علم الاجتماع (Sociology) تساعدنا على فهم:
- كيف يعمل الناس داخل المجموعات؟
- لماذا يطيع البعض ويعترض البعض؟
- كيف تتشكل المعايير؟
- كيف تنتقل الثقافة؟
- كيف تؤثر السلطة على الكلام والتعلم؟
- لماذا الناس تقول شيء… وتفعل شيء آخر؟
ببساطة، Social Theory تشرح لك ما يحدث حول التعلم… وليس داخل عقل المتعلم فقط.
ثانيًا: لماذا هي مهمة للمصمم التعليمي والمدرب؟
لأن التدريب في الشركات لا يحدث داخل فصل دراسي نظيف… بل يحدث داخل نظام اجتماعي مليء بـ:
- أدوار وظيفية
- مصالح
- صراعات
- خوف
- مجاملات
- ثقافة لوم أو ثقافة تعلم
- "ناس كبيرة" و"ناس صغيرة"
- كلام مسموح وكلام ممنوع
وهذا كله يؤثر في:
- مشاركة المتدرب
- تطبيق المهارة
- مقاومة التغيير
- انتقال الخبرة
- نجاح أو فشل أي برنامج تطوير
ثالثًا: الفكرة الكبرى في النظرية الاجتماعية
التعلم ليس "عملية فردية" فقط… بل هو "عملية اجتماعية سياسية"، وإليك رسالة من أقوى رسائل Social Theory:
البشر لا يتصرفون فقط بناءً على ما يعرفونه… بل بناءً على ما هو مسموح لهم به اجتماعيًا.
مثال:قد يتعلم الموظف مهارة "التواصل الحازم" في التدريب… لكن يرجع للعمل ويكتشف أن:
- الحزم = وقاحة
- إبداء الرأي = قلة احترام
- الأسئلة = تشكيك في المدير
وبالطبع سيتوقف عن التطبيق، ليس لأنه لم يفهم… بل لأن المجتمع حوله رفض السلوك الجديد.
رابعًا: 5 أفكار من النظرية الاجتماعية تغيّر طريقة تصميم التدريب
1) السلطة تصنع الصمت (Power & Silence)
في كثير من البيئات، وجود مدير في القاعة يقتل التعلم، فالموظفون قد لا يشاركون لأنهم:
- يخافون أن يظهروا بمظهر ضعيف
- يخافون أن يعارضوا رأي المدير
- يخافون أن يفضحوا مشكلة داخل الفريق
كمصمم تعليمي، أنت لا تصمم "نشاط" فقط… أنت تصمم "أمان اجتماعي".
2) الثقافة أقوى من المحتوى (Culture Eats Training)
هذه ليست جملة تحفيزية… بل حقيقة اجتماعية، فالثقافة هي:
- ما يُكافأ عليه الموظف
- ما يُعاقَب عليه
- ما يُقال في الاجتماعات
- وما يُقال في الكواليس
إذا كان التدريب يقول، "شاركوا المعرفة"، لكن الثقافة تقول، "خلي معلوماتك معاك"، هنا التعلم سيفشل.
3) الهوية المهنية أهم من المهارة (Identity Before Skills)
Social Theory تقول، الناس لا تتعلم مهارة فقط… بل تعيد تعريف نفسها.
مثال: تعليم موظف مبيعات "أسلوب استشاري"، ليس مجرد خطوات… بل تغيير هوية من "أنا ببيع" إلى "أنا بحل مشكلة"، وهذا النوع من التحول يحتاج:
- اعتراف اجتماعي
- دعم بيئة العمل
- قدوة داخل المؤسسة
4) رأس المال الاجتماعي: من يعرف من؟ (Social Capital)
أحيانًا الموظف لا ينجح لأنه لا يملك:
- شبكة علاقات
- دعم من فريقه
- قناة سؤال
- شخص يساعده
وهنا التدريب يحتاج أن يضيف:
- Mentoring
- Buddy System
- Communities of Practice
- Peer support
ليس كـ "إضافة لطيفة"… بل كشرط نجاح.
5) ما يحدث في الكواليس أهم مما يحدث في القاعة (Informal Learning)
النظرية الاجتماعية تؤكد على حقيقة، التعلم الحقيقي غالبًا يحدث في التعلم غير الرسمي (المحادثات، التقليد، المواقف، الأخطاء).
لهذا لو صممت تدريبًا ممتازًا… ثم تركت المتدرب وحده بعد الجلسة… فأنت خسرت المعركة.
خامسًا: كيف يستخدم المصمم التعليمي Social Theory عمليًا؟
1) صمّم التدريب بناءً على "السياق" لا بناءً على "الموضوع"
قبل أن تبدأ في بناء المحتوى اسأل:
- ما طبيعة السلطة في المؤسسة؟
- هل ثقافة الفريق داعمة أم لوم؟
- هل الموظفون يتكلمون بحرية؟
- من القادة غير الرسميين؟
- ما الذي يعتبرونه "خطأ"؟
هذه أسئلة Social Theory… لكنها ذهب في التدريب.
2) صمّم أنشطة تحترم الهرم الاجتماعي بدل أن تصطدم به
مثال: بدل ما تطلب من موظف صغير "ينتقد نظام الشركة" أمام مديره…
استخدم:
- Anonymous boards
- جمع آراء على ورق بدون أسماء
- مجموعات منفصلة
- Case studies "محايدة"
- سيناريوهات خارج الشركة
3) اربط التدريب بنظام المكافأة داخل الشركة
أي مهارة جديدة لن تعيش إذا كانت:
- لا تُكافأ
- أو تُعاقَب ضمنيًا
- وهنا يظهر دور:
- إشراك الإدارة
- KPIs
- ملاحظات المدير
- خطط متابعة
4) اجعل التدريب "حدثًا اجتماعيًا" لا "محتوى"
Social Theory تقول، التعلم يحتاج اعتراف اجتماعي.
لهذا صمّم:
- عروض مشاركة داخل الفريق
- جلسات عرض مشاريع
- Recognition
- قصص نجاح داخل المؤسسة
سادسًا: متى تكون Social Theory مهمة جدًا؟
تكون مهمة جدًا عندما يكون هدف التدريب:
- ✅ تغيير ثقافة
- ✅ تغيير سلوك جماعي
- ✅ قيادة وإدارة
- ✅ تحسين التواصل بين الإدارات
- ✅ تقليل الصراعات
- ✅ رفع التعاون
- ✅ نقل المعرفة من الخبراء
- ✅ Onboarding داخل مؤسسة معقدة
- ✅ تدريب مرتبط بتغيير نظام أو سياسة
سابعًا: متى لا تكون Social Theory هي الأولوية؟
لو التدريب هدفه:
- إجراء ثابت SOP
- مهارة تقنية مباشرة
- برنامج سريع جدًا
- تدريب "تعليمات تشغيل"
هنا الأفضل الاعتماد أكثر على:
- السلوكية
- تصميم خطوات واضح
- تدريب عملي سريع
- Checklists
الفرق بين Social Learning و Social Theory (بدون لخبطة)
الجدول يوضح الفرق بين التعلم الاجتماعي والنظرية الاجتماعية.
| Social Learning | Social Theory |
|---|---|
| كيف يتعلم الفرد من الآخرين | كيف المجتمع (والسلطة والثقافة) يتحكم في التعلم والتطبيق |
| النمذجة والملاحظة | لماذا الناس تقاوم التغيير |
| التفاعل والتغذية الراجعة | كيف تتشكل الهوية والمعايير داخل المؤسسة |
ببساطة:
Social Learning = تصميم التفاعل
Social Theory = فهم البيئة التي ستقتل أو تنجح هذا التفاعل
خاتمة: التدريب ليس محتوى… التدريب مجتمع مصغّر
المصمم التعليمي الشاطر لا يسأل فقط، "ما المعلومات التي سأقدمها؟"، بل يسأل:
- ما الذي يمنع الناس من الكلام؟
- ما الذي يمنعهم من التطبيق؟
- من الذي يملك التأثير؟
- ما الذي تعتبره المؤسسة "مقبولًا"؟
وهنا تصبح Social Theory ليست رفاهية… بل أداة بقاء لأي تدريب مؤسسي حقيقي، لأنك في النهاية لا تدرب "آلات"… أنت تدرب أشخاص داخل مجتمع.
كتاب : دليل التصميم التعليمي الشامل : من الأساسيات الى التطبيق
لمتابعة كافة مقالات [ مسار التصميم التعليمي وبناء البرامج التدريبية ]، يمكنك الانتقال إلى القسم المخصص من هنا.



تعليقات: (0)إضافة تعليق